ما بعد الألوان

فيروس نقص المناعة البشرية في تونس: الوباء غير المرئي وتحدّيات معركة لم تكتمل

بقلم رحاب بوخيّاطية

وتكون معدلات انتشار الفيروس في هذه الفئات أعلى بكثير من تلك المسجَّلة لدى عموم السكّان، إذ تتراوح بين 12٪ و28٪. فهي أعلى بـ12 مرّة لدى العاملين.ـات في العمل الجنسي، وبـ13 مرّة لدى الأشخاص العابرين.ـات جندريًّا، وبـ19 مرّة لدى الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال، وبـ28 مرّة لدى مستهلكي.ـات المخدّرات عن طريق الحقن.

غير أنّ هذا التصنيف، رغم ضرورته لتتبّع جهود الصحّة العموميّة وتوجيهها، لا يعكس سيولة المسارات الإنسانيّة. فقد ينتقل الشخص نفسه من وضع إلى آخر، وقد يجمع أحيانًا بين عدّة عوامل خطر.

ويشير تقرير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إلى أنّ “بعض الأشخاص لا ينتمون بصورة دائمة إلى فئة رئيسيّة واحدة، بل قد يندمجون، بصورة متقطّعة أو مؤقّتة، في فئة أخرى، كما في حالة رجل يستهلك المخدّرات عن طريق الحقن ويمارس أحيانًا العمل الجنسي، أو عاملة في العمل الجنسي تستهلك المخدّرات عن طريق الحقن”.

ويضيف التقرير أنّه ينبغي أيضًا أخذ البعد الجندري في الاعتبار لدى الأشخاص الذين يستهلكون المخدّرات عن طريق الحقن. فالنساء اللواتي يستهلكن المخدّرات بالحقن أكثر عرضة للإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية بسبب انخراطهن المتكرّر في العمل الجنسي.

يتعايش في تونس 7700 شخص مع فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وفق المعطيات المحيّنة لوزارة الصحّة التي أُعلن عنها في كانون الأول/ديسمبر 2025.

يشهد الوباء تسارعًا في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وفي بلدنا. قبل 15 سنة، كان يُبلَّغ عن نحو 70 حالة جديدة سنويًّا، بينما ارتفع هذا الرقم في السنوات الأخيرة إلى ما بين 420 و430 حالة جديدة سنويًّا، وفق ما توضحه ريم عبد الملك، أستاذة الأمراض المعدية في مستشفى الرابطة بتونس.

ويُبرز هذا الفارق الكبير الطابع الكامن وغير المُشخَّص على نحو كافٍ للوباء، خصوصًا أنّ فيروس نقص المناعة البشرية، رغم كونه عدوى خاضعة للتصريح الإجباري، لا يزال إلى حدّ كبير غير مرئي بين الأشخاص غير الخاضعين للفحص.

تتعرّض بعض الفئات بدرجة أكبر لخطر الإصابة، ومن بينها الرجال الذين يمارسون الجنس مع رجال، والعاملون.ـات في العمل الجنسي، ومستهلكو.ـات المخدّرات عن طريق الحقن، والأشخاص العابرون.ـات جندريًّا، والسجناء.ـات، وفق معطيات البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز التابع لوزارة الصحّة.

ويُنظر إلى “الممارسات الجنسية تحت تأثير المخدرات” من قبل عدّة فاعلين.ـات في المجتمع المدني العاملين في مجال فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًّا بوصفها ظاهرة مقلقة. وتشير هذه الممارسات إلى استهلاك موادّ ذات تأثير نفسي أثناء العلاقات الجنسيّة. وغالبًا ما ترتبط هذه الموادّ بالشعور بالمتعة وبفقدان القدرة على الكبح، لكنها كثيرًا ما تكون مسبّبة للإدمان. وتشمل منشّطات وموادّ مثيرة للنشوة مثل الكاثينونات والكوكايين والميثامفيتامين والإكستازي/الميثيلين ديوكسي ميثامفيتامين، وأحيانًا الكيتامين أو حمض غاما-هيدروكسي الزبد (GHB).

وتتميّز جلسات “الممارسات الجنسية تحت تأثير المخدرات” باستهلاك متكرّر للمخدّرات وبعلاقات جنسيّة تمتدّ لساعات طويلة، بل أحيانًا لأيام. وتعرّض هذه الممارسات المشاركين.ـات لمخاطر متعدّدة، من بينها الإدمان والجرعات الزائدة التي قد تكون قاتلة، إضافة إلى ممارسة الجنس من دون حماية.

سامي، 38 سنة، يعيش مع فيروس نقص المناعة البشرية منذ ثلاث سنوات. قبل أن تنقلب حياته رأسًا على عقب، لم يكن يتخيّل أنّه معنيّ بهذا الأمر. كان ينتمي إلى جيل يعتقد أنّ الفيروس يصيب الآخرين، لا نفسه. لكن الصدمة كانت قاسية، وقد جاءت في سياق لا يزال إلى حدّ كبير من المحرّمات: “الممارسات الجنسية تحت تأثير المخدرات”.

ويضيف البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إلى هذه الفئات الرئيسة فئات أخرى يُشار إليها بأنّها «هشّة»، مثل المراهقين.ـات والشباب، والأشخاص المهاجرين.ـات، واللاجئين.ـات وغيرهم من الأشخاص النازحين. واستنادًا إلى دراسته البيولوجيّة السلوكيّة، يبيّن البرنامج أنّ المراهقين.ـات الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و19 سنة والشباب بين 19 و24 سنة هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بالفيروس. إنّه الجيل الذي يتنقّل بين شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة واستهلاك المخدّرات.

ولطالما اعتُبر فيروس نقص المناعة البشرية وباءً يخصّ الفئات الهشّة فقط، لكنّه اليوم لم يعد يستثني أحدًا، إذ ينتشر أيضًا بين عموم السكّان: طلبة.ـات الجامعات، وأطبّاء.ـات وغيرهم.ن. فالفيروس لا يميّز بين الناس، بل ينتشر بصمت عبر ممارسات جنسيّة محفوفة بالمخاطر تمتدّ إلى مختلف طبقات المجتمع.

وتوضح الأستاذة ريم عبد الملك قائلة: “نرى في استشاراتنا طلبة.ـات شبابًا وتلاميذ.ـات في المدارس الثانويّة، ما يدلّ على ازدياد إصابة الفئات الأصغر سنًّا، وكذلك ظهور حالات لدى المتقاعدين.ـات وكبار السنّ”.

وتشير أيضًا إلى عوامل متعدّدة تقف وراء زيادة عدد المتعايشين.ـات مع الفيروس، من بينها المخدّرات، و”الممارسات الجنسية تحت تأثير المخدرات” (Chemsex)، والجنس الفموي، والأمراض المنقولة جنسيًّا التي تسبّب تقرّحات.

فأقلّ من نصف الذكور، وبالكاد أكثر من فتاة واحدة من كلّ عشر، صرّحوا.ن بأنّهم.ن استخدموا.ن وسيلة وقاية خلال آخر علاقة جنسيّة. كما تبقى المعارف المتعلّقة بالأمراض المنقولة جنسيًّا محدودة، لا سيّما لدى الشباب الذكور والشباب من المجتمع الكويري.

وتُظهر النساء عمومًا مستويات معرفة أفضل، غير أنّ ذلك يكشف في الوقت نفسه عن استمرار عدم المساواة بين الجنسين في النفاذ إلى المعلومات، وفي القدرة على التفاوض حول الممارسات الجنسيّة، وفي التصرّف في أجسادهن.

ويُعدّ العنف أيضًا أحد عوامل الخطر، خصوصًا لدى الأشخاص المهاجرين. سيكو، 28 سنة، عابرة جندريًّا من غينيا. تعرّضت للإقصاء من قبل عائلتها وسُجنت بسبب ميولها الجنسيّة، كما كانت ضحيّة ابتزاز وعنف جنسي في بلدها. لذلك اختارت الفرار عبر رحلة هجرة طويلة مرّت عبر مالي والجزائر وصولًا إلى تونس.

وعند وصولها إلى تونس، أُدخلت إلى المستشفى بسبب تمزّق شرجي ناتج عن تلك الاعتداءات، وهناك اكتشفت أنّها مصابة بفيروس نقص المناعة البشرية. بعينين شاحبتين وجسد شديد النحول، تروي سيكو قصّتها وهي تنتحب. وتُجسّد حالتها درجة الهشاشة القصوى التي تواجهها النساء العابرات جندريًّا المهاجرات في ظلّ العنف الجنسي الذي قد يؤدّي إلى الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية.

في البداية، لم يكن الأمر سوى محاولة «لإضفاء بعض الإثارة» على السهرات، كما يروي. لم يكن سامي يدرك أنّ الموادّ التي كان يستهلكها للبقاء مستيقظًا، وللشعور بثقة أكبر وتحرّر من القيود، ستجعله شديد الهشاشة. امتزج الجنس بالمنشّطات، وتجاوزت الحدود الجسديّة والنفسيّة، وكادت الحواجز تختفي. ما زال يتذكّر لحظة إجراء الاختبار. كان وحيدًا في غرفة، وقلبه يخفق بسرعة، محاولًا إقناع نفسه بأنّ النتيجة قد تكون إيجابيّة كاذبة. لكن الحكم جاء باردًا وقاطعًا: مصاب بفيروس نقص المناعة البشرية.

ويقول: “اجتاحتني رغبة في الهرب، في الاختفاء، في معاقبة نفسي. وإلى جانب ذلك شعرت بالخجل، والخوف من حكم الآخرين، والقلق من إخبار المقرّبين منّي”.

وإذا كان سامي يعرف المخاطر وتجاهلها، فإنّ آخرين يفتقرون بشدّة إلى المعرفة بالممارسات الجنسيّة الخطرة، خصوصًا الشباب. لدى هذه الفئة، يلعب الجهل أو المعلومات المغلوطة دورًا في ازدياد حالات العدوى بفيروس نقص المناعة البشرية.

وتؤكّد ذلك نتائج الدراسة التي أجرتها مجموعة توحيدة بن الشيخ، والمنشورة سنة 2024. وقد شملت الدراسة 5837 شابًّا وشابّة غير متزوّجين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة، وأظهرت وجود نقص بنيوي في المعارف المتعلّقة بالصحّة الجنسيّة والإنجابيّة.

من الناحية النظريّة، يظلّ فحص فيروس نقص المناعة البشرية متاحًا للجميع في تونس. إذ توجد مراكز مجانيّة وسرّية في 24 موقعًا موزّعًا على كامل البلاد، كما توفّر بعض الأقسام الاستشفائيّة هذا الاختبار.

ومع ذلك، ورغم هذا التوفّر، يبقى الإقبال على الفحص ضعيفًا، وأقلّ بكثير ممّا ينبغي لتحقيق إبطاء فعلي لانتشار الوباء. والسبب؟ ثقل الوصم الاجتماعي.

فالخوف من الأحكام المسبقة أو الإقصاء الاجتماعي، بل وحتى من ردود الفعل داخل الأسرة أو مكان العمل، يدفع كثيرين.ات إلى تجنّب إجراء الاختبار.

كما تسهم القوانين العقابيّة المرتبطة ببعض الممارسات الجنسيّة أو الأنشطة في ترسيخ مناخ من الخوف: فالعامل.ـة في العمل الجنسي أو الرجل الذي يقيم علاقات جنسيّة مع رجال قد لا يرغب في أن يتمّ التعرف إليه أو وصمه من قبل السلطات أو المجتمع.

ويأسف بهزاد وليّ الدين الفيتوحي قائلًا: “لا يزال فيروس نقص المناعة البشرية مرتبطًا بسلوكيّات تُعدّ ’محظورة‘، ما يغذّي الشعور بالعار والأحكام المسبقة. ونتيجة لذلك، يجهل كثير من الأشخاص وضعهم المصليّ لأنّهم لا يجرون الاختبار، وغالبًا بسبب الوصم أو الخوف”.

الفحص: السلاح الأوّل

يتزايد عدد الحالات الجديدة للأشخاص المتعايشين.ـات مع فيروس نقص المناعة البشرية عامًا بعد عام. ويرى بهزاد وليّ الدين الفيتوحي، رئيس الجمعيّة التونسيّة للتربية الصحيّة، جانبًا إيجابيًّا في ذلك. فارتفاع الأرقام يعود أساسًا إلى تكثيف الفحوصات. ويوضح: “كلّما زادت الاختبارات، زاد معدل اكتشاف الأشخاص الحاملين.ات للفيروس”.

كما يرحّب بتوسيع الفئات المستهدفة بحملات التوعية، التي لم تعد تقتصر على مجموعات معيّنة، بل باتت موجّهة إلى جمهور واسع يشمل الشباب وفئات كانت أقلّ خضوعًا للفحص في السابق.

وقد ساهم استخدام المسرحيات والبودكاست والنشاط على شبكات التواصل الاجتماعي في الوصول إلى الجمهور العام. والنتيجة، وفق قوله، هي وعي أكبر بالحجم الحقيقي للوباء في تونس، الذي كان في السابق أقلّ تقديرًا بسبب ضعف المتابعة.

غير أنّ هذه التحسّنات لا تحجب العراقيل التي لا تزال قائمة في مجال الفحص، والتي تجعل الأرقام التي تقدّمها السلطات الصحيّة أقلّ مما هي عليه في الواقع. فالمعطيات الرسميّة لا تشمل إلا الأشخاص الذين أجروا الاختبار وتمّ تشخيصهم.ن وإدماجهم.ن في منظومة الرعاية، كما يوضح رئيس الجمعيّة التونسيّة للتربية الصحيّة.

وللحدّ من هذا الخوف، يؤكّد كرم، طبيب مقيم ومتطوّع في جمعيّة موجودين، أهميّة توفير فضاءات «آمنة» للفئات المعرّضة للخطر لتشجيعها على إجراء الفحص.

ويقول: “حتى بالنسبة لفحص بسيط، توفّر هذه الفضاءات إنصاتًا حقيقيًّا، سواء بشأن العلاقات العاطفيّة أو الجنسيّة أو حول قضايا الهويّة والتوجّه الجندري التي غالبًا ما يُساء فهمها”.

غير أنّ هذه الفضاءات أصبحت نادرة على نحو متزايد بسبب القيود التي طالت الحيّز المدني في الفترة الأخيرة. وقد أدّت هذه القيود، من بين أمور أخرى، إلى إغلاق مكتب جمعيّة موجودين، وهو فضاء كان يستقبل الفئات الهشّة ضمن المجتمع الكويري. ويؤكّد كرم أنّ إغلاق مثل هذه الفضاءات يحدّ بشدّة من إمكانيّة الوصول إلى الفحص ويؤثّر في جودة الرعاية، وهي عناصر أساسيّة وجاذبة للمجتمع.

حتى السلطات الصحيّة تقرّ بدور الوصم والتمييز، إذ تصفهما بأنّهما «أبرز العوائق أمام النفاذ إلى خدمات الفحص والوقاية والرعاية المرتبطة بفيروس نقص المناعة البشرية». وتشير بياناتها إلى أنّ نحو 65٪ من النساء بين 15 و49 سنة أفدن بأنّهن لاحظن مواقف تمييزيّة مرتبطة بالفيروس.

ويؤدّي هذا الإقصاء إلى تشخيص متأخّر للإصابة، وبالتالي إلى تأخّر في الرعاية وما يرافق ذلك من مخاطر. فالشخص الذي يجهل وضعه المصلي قد ينقل الفيروس من دون علمه، كما قد يتعرّض لتطوّر المرض إلى الإيدز مع مضاعفات كان من الممكن تفاديها لو تمّ التشخيص في وقت مبكّر.

وعلى الصعيد النفسي والاجتماعي، قد يؤدّي الإعلان المتأخّر إلى القلق والعزلة بل وحتى الاكتئاب. وهي عواقب غير مرئيّة ولكن عميقة. وتضيف الدكتورة عبد الملك: “للأسف ما زلنا نلاحظ تشخيصات متأخّرة. والسبب الأوّل هو غياب الوعي بالمخاطر، والشعور بأنّ ذلك يحدث للآخرين فقط، وغياب الفحص المنتظم، والخوف من المجهول، والجهل بأعراض العدوى وعلاماتها”

وإلى جانب سوء الإدارة، لا تزال التمييزات وانتهاكات السرّية قائمة داخل مؤسّسات الرعاية الصحيّة، وغالبًا ما تُنسب إلى الطاقم شبه الطبي. وتفسَّر هذه الممارسات بنقص المعرفة وبالأحكام المسبقة، بخلاف الإطار الطبّي الأكثر ارتباطًا بالمنهج العلمي، كما تشير رئيسة الجمعيّة.

ويفيد الأشخاص المتعايشون.ـات مع الفيروس بأنّهم يتعرّضون للحكم والوصم بدرجة أكبر من قبل الممرّضين.ات والعمّال.ـات، وفق دراسة للمعهد باستور بعنوان «رعاية الأشخاص المتعايشين مع فيروس نقص المناعة البشرية في المؤسّسات الصحيّة: نتائج دراسة نوعيّة».

كما تشير الدراسة إلى عدم احترام بروتوكول إعلان التشخيص والسرّ الطبي، إضافة إلى كشف الوضع المصلي من قبل بعض أفراد الطاقم شبه الطبي من دون أي مرافقة نفسيّة.

وتعدّ هذه الممارسات إخلالات أخلاقيّة ومهنيّة خطيرة. فهي تؤثّر بعمق في الصحّة النفسيّة والجسديّة للمرضى.ات، كما قد تعرّض حياتهم العائليّة والاجتماعيّة للخطر، وفق ما تشير إليه مؤلّفات الدراسة.

ويُذكر أنّ وزارة الصحّة أصدرت في آب/أغسطس 2025 منشورًا يمنع إلزاميّة ذكر الوضع المصلي المرتبط بفيروس نقص المناعة البشرية في الوثائق غير المبرّرة طبّيًّا. 

العلاج: مسار شاق

يقوّض الوصم الاجتماعي أيضًا رعاية الأشخاص المتعايشين.ـات مع فيروس نقص المناعة البشرية. فقد شهدت الرعاية الطبيّة لهؤلاء تقدّمًا مهمًّا في السنوات الأخيرة. إذ تتوفّر العلاجات المضادّة للفيروسات القهقريّة مجانًا، وتمكّن اليوم من خفض الحمل الفيروسي بفاعليّة، ما يقلّل من معدّل المرض ومن خطر انتقال العدوى.

ومع ذلك، لا تزال هناك تفاوتات في النفاذ إلى العلاج. فالخدمات مركزيّة في أربعة مراكز استشفائيّة جامعيّة فقط، وهو ما يفرض قيودًا جغرافيّة وماليّة على الأشخاص المقيمين في المناطق الداخليّة.

ففي تونس توجد أربعة أقسام للأمراض المعدية في مراكز استشفائيّة جامعيّة تقع في تونس وصفاقس وسوسة والمنستير. وبالتالي قد يضطرّ شخص متعايش مع الفيروس يقيم في القصرين إلى قطع مسافة طويلة لتلقّي العلاج، وهو أمر ليس سهلًا بالنسبة إلى أشخاص أضعفت صحّتهم الإصابة بالفيروس.

ويضاف إلى هذه المركزيّة صعوبة الحصول على الأدوية. فقد أفادت سهيلة بن سعيد، رئيسة الجمعيّة التونسيّة للوقاية الإيجابيّة، بحدوث نقص حديث في أحد الأدوية الأساسيّة للعلاج في بعض الصيدليّات الاستشفائيّة. ولا يقتصر الأمر على غياب الدواء، إذ تكتفي بعض الهياكل الطبيّة أحيانًا بإحالة المرضى.ات إلى مؤسّسات بعيدة للحصول على العلاج.

وقد تدخّلت الوزارة بعد أن تبيّن أنّ بعض المؤسّسات الصحيّة كانت لا تزال تذكر صراحة الوضع المصلي للمرضى.ات على اللوحات الموضوعة قرب الأسرّة أو في وثائق التحويل بين المؤسّسات الصحيّة أو في طلبات الفحوصات البيولوجيّة أو الإشعاعيّة. ويُعدّ ذلك انتهاكًا لسرّية المعطيات الصحيّة الشخصيّة ومصدرًا للوصم والتمييز ضدّ الأشخاص المتعايشين مع الفيروس، كما اعترف وزير الصحّة.

وتسهم هذه العراقيل الاجتماعيّة والمؤسّساتيّة في انقطاع كثير من المرضى.ات عن العلاج، وهو ما يُعرف بحالات «المفقودين.ات من المتابعة». أمّا بالنسبة إلى الأشخاص المهاجرين، فالأمر أشدّ قسوة.

فسيكو من بين الأشخاص الذين لا يتابعون علاجهم.ن بانتظام بسبب السلوكيّات العنصريّة لبعض العاملين.ات في المؤسّسات الاستشفائيّة. وتقول: «النظرات المستفزّة والهمسات والابتسامات الساخرة تبدأ منذ لحظة الاستقبال». كما تزيد صعوبة اللغة الوضع تعقيدًا. وعلى الرغم من وضعها الصحّي الهشّ بسبب الفيروس وآثار رحلتها في الهجرة، فإنّها تشعر بالقلق في كلّ زيارة طبيّة، رغم أنّها ضروريّة لبقائها.

ويؤدّي انقطاع العلاج إلى زيادة المخاطر الفرديّة لتطوّر المرض، كما يعرقل أيضًا السيطرة على الوباء.

التحرّك لمواجهة الطوارئ

تقول الدكتورة ريم عبد الملك: “تمثّل الوقاية محورًا أساسيًّا للحدّ من تزايد الحالات. فمن الضروريّ تدريب مقدّمي.ات الرعاية الصحيّة على إدماج الوقاية في ممارساتهم.ن والتعرّف إلى العلامات الدالّة على العدوى. كما يجب مكافحة الوصم والتجريم، حتى نتمكّن من التدخّل بفعاليّة في بعض المجالات ومع الفئات الأكثر هشاشة. إنّ تشجيع الفحص المنتظم، وتعزيز استخدام العلاج الوقائي قبل التعرض (PrEP) والواقي، وضمان الوصول إلى حقن أحاديّة الاستعمال من دون إلزام بتبادلها، وتعزيز مكافحة المخدّرات، وتوفير مرافقة أفضل للأشخاص المهاجرين لتشجيعهم على الاستشارة والاستفادة من علاج مناسب، كلّها أولويّات أساسيّة”.

وهكذا تتطلّب الوقاية عملًا طبيًّا وتربويًّا واجتماعيًّا في آن واحد. ويعتمد الجانب الطبي حاليًّا على استخدام العلاج الوقائي قبل التعرض.

إن العلاج الوقائي قبل التعرض (PrEP) هو علاج وقائي بمضادّات الفيروسات القهقريّة موجّه لغير المصابين.ات بالفيروس، وقد ثبتت فعاليّته الكبيرة في منع العدوى بعد التعرّض لخطر محتمل. ويمكن تناول هذا العلاج يوميًّا أو عند الحاجة وفق نظام محدّد بإشراف طبّي. ويتطلّب وصفه متابعة دوريّة تشمل فحوصات فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًّا.

الوقاية: تحدّيات بنيويّة وحالة طوارئ اجتماعيّة

يدعو البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز إلى اعتماد ما يُسمّى باستراتيجيّة الوقاية «المُركّبة». تقوم هذه المقاربة على نهج متكامل يجمع بين الوقاية السلوكيّة والبيوطبيّة والبنيويّة. وتشمل التوعية والترويج لاستعمال الواقي، وفحص فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًّا، والحدّ من المخاطر المرتبطة باستهلاك المخدّرات بالحقن، إضافة إلى استراتيجيّات الوقاية باستخدام مضادّات الفيروسات القهقريّة. ويتمّ ذلك كلّه في إطار قائم على العدالة الاجتماعيّة واحترام حقوق الإنسان.

غير أنّ تطبيق هذا النموذج يصطدم بواقع ميداني مقلق، حيث أصبح نقص الدعم المباشر للأشخاص المتعايشين.ـات مع فيروس نقص المناعة البشرية أمرًا حرجًا. وتحذّر سهيلة بن سعيد من أنّ النظام الحالي يعاني هشاشة إداريّة وماليّة تؤثّر مباشرة في الحياة اليوميّة لهؤلاء.

فلا يتوفّر لدى البرنامج الوطني سوى شخص واحد لإدارة جميع الملفّات، وهو نقص واضح في الموارد البشريّة يزيد من تعقيد مسار الرعاية. وغالبًا ما يجد الأشخاص المتعايشون.ـات مع الفيروس أنفسهم.ن مضطرّين إلى التنقّل المرهق والمكلف بين عدّة مؤسّسات للحصول على مساعدات ماليّة محدودة تتراوح بين 20 و180 دينارًا، أو ببساطة للحصول على علاجهم.ن، وفق ما تشير إليه الناشطة.

وتزداد هذه الهشاشة بسبب توقّف دعم أساسي كان يموله سابقًا الصندوق العالمي، مثل توفير الحليب والحفّاضات للأسر المتأثّرة، ما ترك الأسر الأكثر هشاشة من دون موارد أساسيّة، وهو أمر تأسف له رئيسة الجمعيّة التونسيّة للوقاية الإيجابيّة.

كما تندّد باستمرار الوصم داخل الإدارات نفسها، حيث لم تعد الأولويّات المرتبطة بالإعاقة تُحترم بصورة منهجيّة.

ورغم فعاليّته المثبتة، لا يزال توفير العلاج الوقائي قبل التعرض محدودًا جدًّا في تونس. فهي ما تزال في مرحلة تجريبيّة ولم تُدمج بعد في نظام وطني شامل للوقاية. وتتركّز المراكز المرجعيّة أساسًا في مستشفى فطومة بورقيبة بالمنستير ومستشفى الرابطة بتونس، وهو توفّر غير كافٍ مقارنة بالحاجات الحاليّة.

ولا يُسمح للجمعيّات بتقديم هذا العلاج، وهو ما يثير استياء سهيلة بن سعيد. وتقول: “تقديم العلاج الوقائي قبل التعرض في مراكز الرعاية وحدها ليس أمرًا مشجّعًا”. وتضيف: “لا أفهم لماذا يُسمح للجمعيّات بإجراء الفحوصات ولا يُسمح لها بتقديم العلاج الوقائي قبل التعرض، في حين أنّ الفحص أيضًا مهمّة حسّاسة”.

وتشير إلى أنّ حصر هذا العلاج في المراكز الاستشفائيّة يحدّ من إمكانيّة الوصول إليه ومن قبوله لدى الفئات الأكثر عرضة للخطر، كما أنّ الحصول على موعد في هذه المراكز يبقى صعبًا حتى للراغبين.ات في الاستفادة منه.

ورغم هذا الاحتياج والطارئ الصحّي، لا تزال الدولة متردّدة. ففي سنة 2020 أعلنت وزارة التربية إدراج التربية الجنسيّة ابتداءً من المرحلة الابتدائيّة، غير أنّ هذا الإعلان لم يُنفَّذ.

ويبقى الركن الآخر للوقاية هو مكافحة الوصم. إذ يمثّل الوصم أحد أبرز العوائق أمام الوقاية، لأنّه يثني الأشخاص عن إجراء الفحص أو حماية أنفسهم أو الالتزام بالعلاج. كما أنّ تجريم العلاقات الجنسيّة غير المغايرة، واستهلاك المخدّرات، والمحافظة الاجتماعيّة تشكّل عوامل تغذّي إقصاء الأشخاص المتعايشين.ـات مع الفيروس.

ولا تسلم من الضغوط أيضًا منظمات المجتمع المدني التي تعمل مع هذه الفئات. فالتشدّد في الإجراءات الإداريّة وتعزيز الرقابة الأمنيّة يعرقلان بصورة متزايدة عمل الجمعيّات. وتقول سهيلة بن سعيد بأسف: “أصبحت المنظّمات مضطرّة إلى مضاعفة الإجراءات الإداريّة لمجرّد مواصلة أنشطتها”.

ومع ذلك، يمتلك المجتمع المدني نقاط قوّة مهمّة، أبرزها قربه من الفئات الرئيسة وقدرته على الابتكار من خلال التوعية بين الأقران أو عبر أشكال تعبير بديلة مثل الفنّ النضالي.

لكنّه يظلّ يواجه قيودًا كبيرة: تغطية جغرافيّة محدودة، وتمويل غير مستقر، ونقص في الاعتراف المؤسّسي. لذلك لا يمكنه أن يحلّ محلّ الدولة، بل يجب أن يكون شريكًا استراتيجيًّا لها، كما يؤكّد بهزاد وليّ الدين الفيتوحي.

ولا تزال الوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية في تونس مقيّدة بعوائق سياسيّة مستمرّة، رغم وجود كفاءات طبيّة قويّة.

ومن دون تعاون حقيقي بين الدولة والمجتمع المدني، ومن دون اعتماد مقاربة شاملة وخالية من الوصم، ستظلّ الجهود الوقائيّة ناقصة وغير فعّالة، ما يترك الفئات الرئيسة معرّضة لمخاطر كان يمكن تفاديها.

إضافة إلى العلاج الوقائي قبل التعرض، لا يتوفّر الواقي بسهولة. ويقول كرم: “أصبح توزيع الواقيات مشكلة بسبب المخاطر الأمنيّة، خصوصًا احتمال ربطه بالعمل الجنسي حتى خلال الأنشطة الجمعيّاتيّة”.

ووفق البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز، يظلّ استعمال الواقي لدى الفئات الرئيسة منخفضًا ولا يتجاوز 60٪، مع تفاوتات واضحة تتراوح بين 46,7٪ لدى مستهلكي.ـات المخدّرات بالحقن و58,3٪ لدى العاملين.ـات في العمل الجنسي.

أمّا الشباب، فيجدون أنفسهم.ن غالبًا من دون توجيه. فالتربية الجنسيّة، وهي ركيزة أساسيّة للوقاية من فيروس نقص المناعة البشرية والأمراض المنقولة جنسيًّا، لم تُدمج بعد في النظام التعليمي التونسي.

ويحرم ذلك الشباب من تربية جنسيّة شاملة قائمة على معلومات علميّة موثوقة حول طرق انتقال الفيروس وسبل الوقاية منه، وحول مفهوم الرضا، واحترام الجسد، والحقوق الجنسيّة والإنجابيّة.

ويؤدّي هذا النهج المقيّد إلى تعزيز الطابع المحظور للحديث عن الجنسيّة، وإلى إخفاء المخاطر الحقيقيّة، خصوصًا لدى المراهقين.ات والشباب، ويترك المجال مفتوحًا أمام المعلومات المضلّلة.

ومع ذلك، يظهر طلب واضح داخل المجتمع على هذه التربية. فوفق دراسة حديثة حول مواقف الأمهات من التربية الجنسيّة لأطفالهن، أنجزتها مجموعة توحيدة بن الشيخ ونُشرت في كانون الأول/ديسمبر 2025، تؤيّد غالبيّة كبيرة من الأمهات (81,3٪) إدراج التربية الجنسيّة في البرامج الدراسيّة. وترتفع نسبة التأييد مع مستوى التعليم، من 77,6٪ لدى الأمهات غير المتعلّمات إلى 87,6٪ لدى من لديهن مستوى تعليم عالٍ.

ويُعدّ التعليم الإعدادي المستوى الأكثر اقتراحًا لإدراج هذه الدروس (42,2٪)، في حين ترى نسبة مهمّة من الأمهات أنّ البدء منذ المرحلة الابتدائيّة مناسب أيضًا (26,4٪)، ما يبرز أهميّة التوعية المبكّرة.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *